علي بن أحمد المهائمي
423
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
واليبوسة التي هي مبادئ الفعل والانفعال ، فكذلك النفس ( الإلهي ) حامل لما يوجب أفعالها وانفعالاتها ، ( فبما فيه ) أي : في النفس الإلهي ( من الحرارة ) أي : من المعنى المناسب لها ( علا ) بعض العالم ، كالنار والهواء ، ( وبما فيه من البرودة والرطوبة سفل ) بعضه كالماء والتراب ، ( وبما فيه من اليبوسة رسب « 1 » ) بعضه كالتراب ، و ( لم يتزلزل ) إذ ليس فيه ما يوجب الحركة من الحرارة والرطوبة ؛ ولهذا كان الماء فوق الأرض ، وإن اجتمع فيه سبب الرسوب لما فيه من موجب الحركة - أعني : الرطوبة - ولا يتأتى مع لزوم السكون فيما تحت الأرض إذ منع من التزلزل للأرض ، فكيف لا يمنع ما تحتها ؟ ! ( فالرسوب للبرودة والرطوبة ) لا لليبوسة في الأرض ، وإلا كان للنار رسوب لكن لها العلو المطلق ، ولو لم يكن للرطوبة ذلك لم يكن للهواء رسوب بالنسبة إلى النار ؛ لأن حرارته توجب العلو ، ولو لم يكن للبرودة رسوب لم يكن للأرض أصلا ، ولا للماء بالنسبة إليها لاجتماع سببه فيه ، وإنما تحركت النار مع اليبوسة لمعارضة الحرارة إياها فتبعت فلك القمر في حركته . ولما كان المذكور في الكتاب من أن العلو من الحرارة ، والسكون من اليبوسة ، والرسوب من البرودة والرطوبة ، وهو خلاف المشهور من أن العلو للخفة ، والرسوب للسفل ، والحركة من الرطوبة ، والسكون من اليبوسة استدل على ما ذكره بأمر تجريبي لا يفيد الدليل العقلي على خلافه ؛ فقال : ( ألا ترى الطبيب إذا أراد سقي دواء لأحد ينظر في قارورة مائه ، فإذا رآه راسبا ) علم أن النضج ، وهو تهيؤ المادة للاندفاع ( قد كمل ، فيسقيه الدواء ؛ ليسرع في النّجح ) « 2 » بالاندفاع بالسيلان الحاصل على التفرق والرسوب ، ( وإنما يرسب ) عند النضج المفيد للخفة ( لرطوبته وبرودته الطبيعية ) ؛ قيد بذلك للإشارة إلى أن الرطوبة والبرودة العارضة لا توجب الرسوب ، كما في بعض أجزاء الهواء ، فهذا تأثر النفس الإلهي في العناصر . ثم أشار إلى إثارة في الأسماء الإلهية باعتبار ظهورها الكامل الذي في الإنسان ، فقال : ( ثم ) إن هذا الشخص الإنساني ، يعني : آدم عليه السّلام الجامع لأسرار أولاده ( عجن طينته ) الشاملة على الطبائع المذكورة ( بيديه ) أي : أسماؤه المتقابلة ليظهر منها آثارها التي تقتضيها طبائعها التي أخذتها من النفس الإلهي ، وإنما فسرناهما بالأسماء المتقابلة إذ ( هما ) أي : اليدان بالمعنى
--> ( 1 ) في نسخة : « ثبت » . ( 2 ) النّجح والنّجاح : الظّفر بالشيء ، وقد أنجح ، وقد نجحت حاجتي ، وأنجحت ، وأنجحتها لك ، وأنجحها اللّه تعالى : أسعفني بإدراكها ، وأنجح الرجل : صار ذا نجح ، فهو منجح من قوم مناجح ومناجيح ، وقد أنجحت حاجته إذا قضيتها له ، وما أفلح فلان ولا أنجح ، ( انظر : لسان العرب « نجح » ) .